محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

102

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

أن نركّز على علاقة متميّزة ذات قيمة تأسيسية أو تشكيلية بنيوية ( بالنسبة للشكل كما بالنسبة للمضمون وجوهر التعبير ) . وبعدها نلاحظ وجود علاقة ثانوية أو أدواتية ( أي تابعة للأولى ) . الأولى تتخذ صيغة النحن / أنت ، أنا ( أي محمد ) / أنت بالمعنى الكبير للكلمة ( أي اللّه ) . وأما الثانية المتمثّلة ب نحن / أنت ، هو ( أي الكفار / محمد ) ، النحن ( ضمنية ) / أنتم / هو ، النحن / أنت ( ضمنية ) / هم بصيغة المفعول به ، والفاعل ( أي بني إسرائيل ) . نلاحظ من خلال تأمّل هذه العلاقات بين الضمائر الشخصية مدى أهمية المتلقي المتميّز ( أي محمد ) ، ولكنه لا يمثّل في الوقت ذاته سوى مجرد ناقل وسيط لرسالة موجّهة إلى البشر ( أي : أنتم ، هم ) . ولا يصبح المتلقي متكلما لافظا متوجها بكلامه إلى الآخرين إلّا في حالات استثنائية وداخل إطار القول الخاص بالمتكلّم الأساسي . أما الطبقة الثانية لعلامات القول ( أو التلفّظ بالكلام ) ، فمشكّلة من قبل « قرائن التبيين » ، أو « الأفراد اللغويين » الذين يحيلوننا إلى أشخاص ، أو لحظات ، أو أماكن « 1 » . وهذه هي حالة الضمائر الشخصية ، أو البرهانية ، أو النعتية . . . إلخ . وعن طريق هذه الضمائر يتوصل الناطق المتكلّم إلى تنظيم المكان ، والعلاقات ، والأحوال أو أساليب الحياة والوجود . انظر بهذا الصدد العبارات القرآنية التالية : وقالوا ما لهذا الرسول . . . هذا القرآن ، وقالوا أساطير الأولين . . . ، إنّ هذا إلّا إفك افتراه ، بنو إسرائيل : المذنبون ، أو المجرمون . إنّ الصيغ الزمنية التي يستخدمها الناطق المتكلم من أجل تنظيم الزمن انطلاقا من الحاضر الذي يتموضع فيه تشكّل المجموعة الثالثة من هذا التحليل اللغوي أو الألسني . نلاحظ مثلا أن استخدام الفعل بصيغة الماضي أو الحاضر من قبل الجاحدين أو غير المصدقين يتحكّم به حدث محوري أو تأسيسي هو : نزول الكتاب السماوي . وطبقا للآيات المذكورة ، فإننا نفهم أن هذا النزول قد حصل سابقا ، ولكنه يتضمّن متبقّيات تعيد تحيين الحدث من دون توقف « * » . ينتج عن ذلك حاضر أبدي تندرج داخله حواضر ( أو أزمنة حاضرة ) مؤقتة أو عابرة مرتبطة بظروف محدّدة . بمعنى آخر : لقد حصل النزول للتوّ بشكل

--> - وصعوبة فهمه . فالنصوص الدينية الكبرى - وبخاصة القرآن - تبدو وكأنها فوق الزمان والمكان والمشروطيات اللغوية . ولذا ، فإن التركيز على بنيتها اللغوية والنحوية واللفظية يحرّرنا إلى حد ما من هيبتها اللاهوتية الضخمة ويحيلها إلى حقيقتها ، أي كنصوص لغوية تنطبق عليها القوانين النحوية والصرفية نفسها التي تنطبق على بقية النصوص الأخرى . ( 1 ) انظر : إميل بنقينيست ، مصدر مذكور سابقا ، ص 83 . * بمعنى أنه كلما نزلت آية أو مجموعة آيات أو سورة كلما تم تحيين الوحي من جديد . فالوحي لم ينزل دفعة واحدة ، وإنما على دفعات تفصل بينها مسافات زمنية قد تطول أو تقصر . وقد استمر نزوله مدة عشرين سنة كما هو معروف .